Almarefa المعرفة Almarefa المعرفة
recent

آخر الأخبار

recent
random
جاري التحميل ...

اختيارات أخلاقية عسيرة تنتظر الفرق الطبية في جائحة "كورونا"

Tough-ethical-choices-await-medical-teams-in-the-Corona-pandemic

تضع جائحة كوفيد-19 مجتمعنا أمام خيارات تتسم بقدر من الخطورة والجسامة يتعذر معه تقدير العواقب حاليا. وإذا كان من المعقول إسناد القرارات على الخبرة العلمية، فإن عمليات التحكيم بخصوص الأمور الحاسمة تقع على عاتق المسؤولية السياسية. فعمليات التحكيم هاته تمثل، في مجال الصحة العمومية، مؤشرا ثابتا على التراتبية التي تُوضَع فيها قِيمنا وأولوياتنا الاجتماعية. لقد كانت الحكومة حريصة على شرح وتوضيح الإجراءات المتدرجة التي فرضها واقع الأمور. لكن التحكيم بين الخيارات في مجال الإنعاش، ضمن سياق نُدرة الموارد وبالنظر إلى نتائجها من حيث الحياة أو الموت، لا يمكن أن تقع مسؤوليته على عاتق الأطباء فقط.

لقد أصبح الـمُسِنًّون على علمٍ الآن بأن معايير العمر خصوصا هي التي تتحكم، في إيطاليا، في الاختيار الحتمـي بين الذين يتم إنعاشهم واللذين يتخلى الأطباء عن إنعاشهم بسبب عدم توافر الأجهزة الكافية. إن قرب حصول أوضاع مماثلة لهذه في فرنسا يرفع المخاوف ويزيد من الشعور بانعدام الأمان. ثمة حاجة ماسة إذن للتأكد من وجاهة المعايير المعتمدة في اتخاذ القرارات، وذلك من حيث الشفافية والتعليل والأمانة والقابلية للإنجاز ضمن سياق يتسم بممارسات متدهورة ولفترة غير مُحدَّدة. ومن الضروري أيضا منع اليأس، المتولد عن عدم القدرة على إتقان العمل، من التأثير على قدرات التدخل والصمود والتكيف لدى المهنيين. إن الممارسة الطبية، بالنظر إلى ما يواجهها من مطالب هائلة وإلى القيود التي تحدُّ من قدرتها على المبادرة، وبالنظر أيضا إلى انعدام الوقت اللازم للتداول من أجل اتخاذ القرارات، تجد نفسها خاضعة لإكراهاتٍ من المحتمل أن تصبح خارج نطاق التحمُّل. وهذا الوضع لا يمت بأي صلة مباشرة لما يُطلق عليه "طب الكوارث". وذلك أن التعبئة غداةَ عملٍ إرهابي (مثلا) تكون مُحدَّدَة النطاق ومُفصلةً على مقاس الظروف، والترتيبات المعتمدة يكون دورها هو الدفع إلى أقصى الحدود بالطاقات والقدرات المرصودة في إطار مخططاتٍ تمَّ تجريبها سلفا.

ومع ذلك، فإن فُرُق الإنعاش متمرنة على تفحُّص وتحليل القرارات المرتبطة باستحقاق الإنعاش أو الاستبعاد منه، وكذا بتعليل الاستراتيجيات المعتمدة في تقديم العلاجات أو في الحد منها ووقفها عندما يغدو التدخل العلاجي من دون جدوى. أما المعايير الـمُسَوَّغة علميا وأخلاقيا، فهي مشروحة بوضوح وقد سبق لها أن حصلت على موافقة الـمُجمَّعات العلمية وأصبحت مُتداوَلة في إطار ما يُسمَّى "الممارسات السريرية الحسنة". وفضلا عن ذلك، فإن عملية اتخاذ القرارات تستفيد من التحكيم الذي تضطلع به هيئات تتمتع بخبرة جماعية وتراعي التوجيهات المسبقة الـمُحرَّرة من قِبَل الشخص المعني كما تراعي ما ينقله ويصرح به من يُؤتَمَن على وجهة نظره (في حال تعيينه لشخص آخر يأتمنه على مُراده). إن الجديد اليوم هو التخلي عن إنعاشِ أشخاصٍ كان يمكن، في الأحوال العادية، أن يستفيدوا من الإنعاش ويبقون بالتالي على قيد الحياة. فشُحُّ الموارد الـمتوافرة يتحكم إذن في الاختيارات الـمتاحة وليس في المعايير الطبية التي يجري بها العمل عادة.

ما الذي سيحصل في وحدة العناية المركزة عندما تعجز القيم والمساطر المرجعية عن الصمود أمام الواقع؟ إن فُرَص الاستفادة من خدمة الإنعاش أصبحت منذ الآن مرهونةً بعدد أجهزة التنفس الصناعي المتوافرة لمساعدة الحالات الخطيرة، وكذا بقدرات وطاقات الفُرق المختصة.

وهل لا تزال بعض الـمُحدِّدات، من قبيل مقياس درجات الخطورة أو تقييم الأمراض المصاحبة والفشل الذي يطول العديد من الأعضاء الحيوية، صالحة لأن تكون معيارا مُؤهِّلا للبقاء على قيد الحياة؟ وهل تقبل تلك الـمُحدِّدات أن تُطبَّق بشكل صارم في الوقت الذي تغدو فيه إمكانات النقل والترحيل والاستقبال في المستشفيات مقيدة ومرهونة سلفا بتنظيم وإدارة مصلحة المستعجلات المعرَّضة بدورها لخطر الاختناق؟ وبالتالي يمكن أن يُستبعد شخص بصورة قبلية من الإنعاش بناءً على تقييم تمَّ إجراءه عن بُعد. إن المطلوب في هذه الحالة هو التأكد من أن رفض الاستقبال في المستشفى يستند على مبررات معقولة، كما ينبغي الحرص على معرفة المعايير المعتمدة في وضع الأولويات وتطبيقها بشكل عادل. إذ من الوارد، في غياب آليات فعالة للمراقبة، أن يُعتبَـر الانتقاء الـمُطبَّق نوعا من الوصم أو الـميز ، مما يتسبب في احتجاجات واعتراضات يكون من الصعب احتواؤها. أليس الضعفاء هم الأكثر عرضة من غيرهم لمخاطر الحرمان والإقصاء؟

لقد أتاحت تجربة دولة كندا مع السارس سنة 2003 صياغة قواعد إرشادية بخصوص "وضع الأولويات": هذه القواعد تبدو اليوم في غاية الأهمية إلى جانب الوثائق التي صاغتها مختلف الهيئات الطبية العاملة في قطاع المستعجلات أو التخدير أو الإنعاش. ومن الأمور المقررة بهذا الصدد، العملُ بشكل منتظم على إعادة تقييم مسوغات الإنعاش تفاديا لحجز الأسِرَّة من دون مسوغ معقول. ويدخل في هذا الباب أيضا تشخيص احتمال البقاء على قيد الحياة بعد إجراء الإنعاش، وتقدير الآثار المحتملة فيما يتعلق باستقلالية المريض وجودة الحياة المتبقية له. ثم إن مقدار الوسائل التي يتم حشدها خدمةً للمريض، لكن على حساب أشخاصٍ آخرين كان من الممكن أن يستفيدوا "بوجه أفضل" من البدائل التقنية المتاحة بصورة محدودة فقط، يمنع بتاتا إجراء ما يسمى "الإنعاش الرحيم" (نوع من الإنعاش يتم اللجوء إليه بدافع التعاطف والشفقة فقط). كما أن تقدير مدة شَغْل سرير الإنعاش وحجم الجهود المطلوبة من القائمين على الرعاية الطبية، يمثل عاملا آخر للتمييز بين الحالات.

إن هذه المعالم تُسهم في انسجام الاختيارات وتماسك الفريق الذي يعمل في سياق الاختناق والممارسات المتدهورة. غير أن هذه التوصيات ليست عاصمة من الإرهاق الجسدي والمفارقات الأخلاقية الذين يتركان أثرا بليغا على المهـنيين ويضعفان قدراتهم على التدخل في غياب البيئة الراعية والداعمة. ومنه، فإن الأسئلة التي تطرح نفسها هي: كيف نواكب قرارا يقضي برفض إنعاش شخص كان يمكن في سياقٍ مغاير أن يستفيد من الإنعاش، ومن الذي ندعه يموت؟ وما هي الآليات التي يُوكَل إليها، في هذه الظروف، قرارُ إجراء التخدير النهائي الذي يُجنِّب المريض الموت اختناقا؟ وماذا بشأن المؤسسات غير المأمونة طبيا أو المنازل؟ وما السبيل لدعم الأسرة وكيف لها أن تستسيغ منعها من الحضور تفاديا لمخاطر العدوى؟ وهل ينبغي التخلي عن المصاحبة الروحية للمُحتضر؟ وماذا عن طقوس الجنازة؟

يبدو أنه من الضروري أن تُستَحدث، داخل المستشفيات وعلى صعيد الجهات، خلايا للخبرة الطبية والقانونية يمكن أن تضطلع بتقديم المشورة للفرق الطبية العاملة وإصدار التوصيات بحسب تطور الظروف والأحوال. إن التلاحم الوطني هو مطلب أساسي. لكن من الوارد أن يفشل هذا التلاحم في الصمود أمام جسامة المآسي الإنسانية الناجمة عن الحرمان من تلقي بعض العلاجات، لأن هذا الحرمان ستُعزى إليه حالاتٌ من الوفاة يعتبرها الناس غير عادلة أو مما يمكن تفاديه. ولذا من اللازم أن يكون كل شخص على قناعة تامة من أن القرارات التحكيمية المعتمَدة، على الرغم من الظرفية الاستعجالية والإكراهات العسيرة، هي قرارات خاضعة لمساطر لا يرقى إليها الشك ومُراعية لكرامة الأشخاص وكذا لشرط العدالة التي تتنافى مع جميع أشكال الاعتباطية، وأنها قرارات نابعة من إحساسٍ سامٍ بالصالح العام.

هذا المقال منشور بجريدة Le Figaro بتاريخ 17 مارس 2020. وكاتبه هو البروفيسور إيمانويل هيرش (Emmanuel Hirsch)

*أستاذ الأخلاقيات الطبية بجامعة باريس-ساكلاي ومدير "فضاء الأخلاقيات" في المنطقة الباريسية.

**أستاذ الفلسفة بجامعة مولاي إسماعيل بمكناس/المغرب

عن الكاتب

omar

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

Almarefa المعرفة